صديق الحسيني القنوجي البخاري

101

فتح البيان في مقاصد القرآن

فَإِنْ تَنازَعْتُمْ المنازعة المجاذبة والنزع الجذب كأن كل واحد ينتزع حجة الآخر ويجذبها والمراد بالاختلاف المجادلة ، والظاهر أنه خطاب مستقل مستأنف موجّه للمجتهدين ، ولا يصح أن يكون لأولي الأمر إلا على طريق الالتفات ، وليس المراد فإن تنازعتم أيها الرعايا مع أولي الأمر المجتهدين لأن المقلد ليس له أن ينازع المجتهد في حكمه ، قاله أبو السعود على ما في الجمل ، والأولى ما قدمناه . وظاهر قوله : فِي شَيْءٍ يتناول أمور الدين والدنيا ولكنه لما قال فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ تبين به أن الشيء المتنازع فيه يختص بأمور الدين دون أمور الدنيا ، والمعنى في شيء غير منصوص نصا صريحا من الأمور المختلف فيها كندب الوتر وضمان العارية ونحوهما ، والرد إلى اللّه هو الرد إلى كتابه العزيز ، والرد إلى الرسول هو الرد إلى سنته المطهرة بعد موته ، وأما في حياته فالرد إليه سؤاله . هذا معنى الرد إليهما ، وقيل معنى الرد أن يقول لما لا يعلم « اللّه ورسوله أعلم » وهو قول ساقط وتفسير بارد ، وليس الرد في هذه الآية إلا الرد المذكور في قوله تعالى : وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [ النساء : 83 ] . والرد إلى كتاب اللّه وسنة رسوله واجب ، فإن وجد ذلك الحكم في كتاب اللّه أخذ به ، فإن لم يوجد فيه ففي سنة رسوله ، فإن لم يوجد فيها فسبيله الاجتهاد ، ولا يلتفت عند وجود الحكم فيهما أو في أحدهما إلى غيرهما من آراء الرجال وغيرهم فإنه مشاقّة للّه ولرسوله من بعد ما تبين له الهدى . وفي قوله : إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ دليل على أن هذا الرد متحتم على المتنازعين وأنه شأن من يؤمن بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وفي الآية دليل على أن من لا يعتقد وجوب متابعة الكتاب والسنة والحكم بالنصوص القرآنية والأحاديث الواردة عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم لا يكون مؤمنا باللّه ولا باليوم الآخر . ذلِكَ أي الرد المأمور به خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا أي مرجعا وأحمد عاقبة من الأول يقال آل يؤول إلى كذا أي صار إليه ، والمعنى أن ذلك الرد خير لكم في حد ذاته من غير اعتبار فضله على شيء يشاركه في أصل الخيرية من التنازع والقول بالرأي وأحسن مآلا مرجعا ترجعون إليه ، ويجوز أن يكون المعنى أن الرد أحسن تأويلا من تأويلكم الذي صرتم إليه عند التنازع ، وقال قتادة : ذلك أحسن ثوابا وخير عاقبة ، وقال مجاهد : أحسن جزاء . واعلم أن هذه الآية الشريفة مشتملة على أكثر علم أصول الفقه لأن الفقهاء زعموا أن أصول الشريعة أربع الكتاب والسنة والإجماع والقياس ، وهذه الآية مشتملة على تقرير هذه الأصول الأربعة بهذا الترتيب .